اصلاح الاقتصاد العراقي ..... رؤية في المستقبل

الاستاذ
ياسر المتولي
مدير تحرير الصباح الاقتصادي

 

غالباً مايتبادر الي الذهن أن الاصلاح الاقتصادي ينحصر في عدد من الاجراءات الاقتصادية والمالية والنقدية، وهو بالفعل يرتكز بصورة رئيسية علي مثل هذه الاجراءات، الا أنه يتطلب أيضاً تغييرات اساسية في الأطر المؤسسية والقانونية والسياسية ، اذا أريد لهذا الاصلاح الاقتصادي أن يؤدى الي نظام اقتصادي ليس فقط أكثر كفاية وأكثر فعالية بل أكثر استقراراً وأكثر عدلاً، ورغم أن تحقيق مثل هذا النظام يتطلب وجود حكومة قوية ومجتمع مدني فعال الا أنه نظام لايعتمد علي الأوامر بقدر مايعتمد علي قواعد محددة ومعلومة وواضحة.
فأولى الخطوات التي تهدف الى الاصلاح الاقتصادي وهي الاصلاح النقدي والمالي ، فمن المؤكد أن اجراءات التثبيت النقدي والمالي التى أتخذتها الحكومة خلال السنوات القليلة الماضية يمثل خطوات جريئة وأساسية في سبيل التحول الي اقتصاديات السوق، الا أن ماتم اتخاذه من خطوات في ادارة الاقتصاد العراقي ، مازال يعتبر المرحلة الاولى عما هو مطلوب ونحن سنشير هنا بايجاز شديد عما هو مطلوب في بعض الجوانب المهمة

.
وقبل أن نفعل ذلك، علينا أن نشير هنا الى البلدان التي نجحت في تثبيت نظامها النقدى مما يعني النجاح في تثبيت أسعار الصرف الفعلية لعملاتها ، وتمكنت من خفض معدلات التضخم أو تثبيت مستويات الأسعار وفتح أسواق التمويل والمحافظة علي عوائد ايجابية ومعقولة علي المدخرات والودائع المصرفية، هذه البلدان تمكنت أيضاً من تحقيق انتاجية مرتفعة لرأس المال المادى ومستوى مقبول من النمو الاقتصادى الحقيقي ،وأهم الخطوات التي تم اتخاذها في هذا الشأن ، هي خفض الانفاق ، وهذا يتضمن السيطرة المالية المتدرجة وتحجيماً متزايداً للانفاق الحكومي حتي يصبح بصورة تدريجية يمثل نسبة متناقصة من اجمالي الناتج القومي ، غير أن خفض الانفاق أدى في كثير من الحالات الي الاضرار بالطبقات الفقيرة وخفض الانفاق بمعدلات أكبر علي القطاعات التي تهم تلك الطبقات، ومنها خدمات الصحة الأولية والتعليم الأساسي ومياه الشرب المأمونة، هذا في الوقت الذي يتطلب تحقيق خفض البطالة وتخفيض حدة الفقر عكس مثل هذه السياسات تماماً ،ومن المهم في هذا الاطار وقف ظاهرة الانفاق الحكومي غير المباشر أو مايعرف عادة بالصرف خارج الميزانية، هذا الصرف الذي تزايد بصورة مخيفة منذ بداية الثمانينات حيث كان يتسبب في نحو نصف العجز في الميزانية، وفي الوقت الحالي أصبح الصرف خارج الميزانية يبدو وكأنه أمر مألوف ، ومن المهم العمل علي الغاء مثل هذا الصرف تماماً أو تضمينه في الميزانية العادية، حتى لايضطر البنك المركزي العراقي الى اصدار عملة لتمويل العجز دون تخطيط مسبق ، ثانياً الاهتمام بقضية العرض الاجمالى ، وهذا الموضوع أصبح يتصدر السياسة النقدية والتمويلية لاغلب دول العالم السائرة في سياسات الاصلاح الاقتصادي ، حتي لاتكون السيطرة علي الطلب الاجمالي علي حساب تحقيق نمو اقتصادي مقبول، وخلق فرص عمل متزايدة والتسبب في كساد اقتصادى، والاهتمام بجانب العرض يعنى حفز القطاعات الانتاجية علي رفع الانتاجية مما يعني توجيه التمويل ورفع الاستثمار في قطاع الزراعة والصناعة والخ ، وذلك في ظل أقل ضغوط تضخمية ممكنة من خلال ترشيد الطلب الكلي ، الا أن الأمر هذا يعني كيفية احداث التوليفة المرغوبة بين النقيضين السيطرة علي الطلب الاجمالي من جهة وحفز العرض الاجمالي من الجهة الأخرى ، وهذا هو أهم التحديات الرئيسية التي تواجه السياسات النقدية والمالية أي كيفية الجمع بين النقيضين وبحيث يتحقق مستوي أعلي من النمو الاقتصادي الحقيقي من خلال فتح أسواق التمويل وتثبيت النظام النقدي ، ثالثاً العمل علي تحقيق هوامش ربحية موجبة، وهذا يعني العمل علي خفض العوائد الأسمية بصورة تدريجية مع الابقاء علي العوائد أو الأسعار الحقيقية موجبة ومجزية ومستقرة، وهذا يعني فيما يعني فرض القيود المالية والسيطرة علي التضخم وترشيد التمويل المقدم للقطاع الخاص

 .
رابعاً تحرير البنوك التجارية ، ولايعني تحرير البنوك اعفاؤها تماماً من اشتراطات الاحتياطي النقدى القانونى ، الا أنه يمكن تخفيض القيود بهدف تحقيق عملية التحرير علي المدى البعيد ومهما يكن من أمر فلابد أن تكون عملية التحرير لاحقة أو علي الأقل متزامنة مع نجاح الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادى الكامل والشامل ، خامساً سعرالصرف وتحرير التجارة الخارجية ، اذ من المهم تحرير التجارة الخارجية بصورة متدرجة وبالتزامن مع تحرير أسعار السلع والخدمات الداخلية مع الحرص علي ابقاء سعر الصرف موحداً بحيث يتعامل جميع المستوردين والمصدرين بسعر فعلي واحد الأمر الذي من شأنه ان يزيد من كفاءة التجارة الخارجية ، وفضلاً عن ذلك لابد أن يتمتع سعر الصرف بأكبر قدر من الاستقرار كما هو الوضع الآن و بحيث يكون التذبذب عن الوضع الحالي صعوداً أو نزولاً في أضيق الحدود ، سادساً الاصلاح الضريبي ، اذ لابد من الاستمرار في توسيع السياسة الضريبية أفقياً ورأسياً مع دعم وتقوية قدرات الوحدات الايرادية، الا ان النظام الضريبي لابد أن يكون متسقاً مع قدرات الأفراد والمؤسسات حتي يمكن تجنب الاستيلاء العشوائى علي الأموال،ولذلك لابد من الوزارات المختصة تطبيق نظام القيمة المضافة لأن التجارب الدولية برهنت علي أنه أفضل الأساليب ملاءمة لاوضاع مثل أوضاعنا، فهو يسمح للحكومة بالحصول علي ضريبة على كافة أشكال الدخل بشكل متناسق وعلي أساس معدل موحد يقدر بـ (10%) وهي بذلك تعتبر محايدة بين مختلف الأنشطة والشركات والمؤسسات كما أنها لاتميز بين التجارة الداخلية والتجارة الخارجية، وفوق هذا وذاك فهى ضريبة سهلة التحصيل ويمكن تطبيقها بأسلوب مفهوم وواضح ، ومن المهم أن يكون الاصلاح الضريبي شاملاً لقاعدة ضريبية محددة لكافة المؤسسات والموظفين تغطي كل أشكال الدخل، ويتم فرض الضريبة بصورة عادلة ومعتدلة، وهذا الأمر يعتبر شرط ضروري وأساسي لنجاح الاصلاح الاقتصادى والسياسي والمؤسسي ، سابعاً الاصلاح الاقتصادي والبطالة ،فأفتراض أن تكون السياسات المالية والنقدية معنية بمحاربة البطالة بقدر ماهى معنية بتحقيق النمو الاقتصادي وبمحاربة التضخم، الا أنه من المعروف أن هذه السياسة غالباً ماتركز أولاً علي التعامل مع التضخم بقدر أكبر من الاهتمام بالنمو الاقتصادى، كما أنها معنية بالنمو الاقتصادي بدرجة أكبر من الاهتمام بقضية البطالة، لكن على الرغم من ذلك ان مشكلة البطالة يصعب أو حتي يستحيل علاجها من خلال برنامج الاصلاح ،كما أن الصمت ربما يكون نتيجة لقناعة متفائلة هى أن المشكلة سوف تحل نفسها تلقائياً في حالة النجاح في تحقيق معدل نمو اقتصادي مرتفع ومستدام لفترات طويلة

 .
ثانياً الجوانب المؤسسية ، اذ تحدثنا أن الاصلاح الاقتصادي يتطلب الآن تغيير الاطار المؤسسي والقانوني جنباً الي جنب مع الاجراءات الاقتصادية والمالية المشار اليها أعلاه ، وأهم الجوانب المؤسسية ، اولاً الشفافية والمساءلة ، اذ تعد مسألة الشفافية من الأبعاد الهامة في تحقيق المساءلات الادارية والقانونية والسياسية، فاذا كانت جميع الحسابات العامة وشبه العامة ( بما في ذلك حساب مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والبنوك وغيرها) وكذلك تقارير المراجعة القانونية متاحة للفحص العام، فان ذلك يمكن من متابعة أداء وتصرفات الهيئات العامة والمسئولين والموظفين العاملين في القطاع العام ، الأمر الذى يمكن من اجراء مساءلة ادارية فعالة تمكن من تصحيح كل أشكال عدم الكفاءة والتجاوز في المؤسسات والأجهزة الحكومية وغير الحكومية من مختلف أشكالها وبخاصة منها الادارة المالية والمشتريات الحكومية ، ثانياً نشر المعلومات وحرية التعبير ، اذ يحتاج الاصلاح الاقتصادى الي وجود معلومات اقتصادية سليمة تتناول مختلف الأنشطة الاقتصادية بما في ذلك قضايا الانتاج والتوظيف والأسعار وعوائد الاستثمار ، ولابد أن تكون هذه الاحصاءات متميزة بمصداقية عالية وصادرة عن جهات محايدة أو جهات تتمتع بدرجة عالية من الكفاءة والاحساس بالمسئولية ، وهذا يعني فيما يعني أن تكون الأجهزة الاحصائية مزودة بامكانيات كافية دون أن يعني ذلك أن تكون معلوماتها مجرد دعاية لانجازات الحكومة أو الوزارات المعنية ، ولابد من التأكيد هنا أن توافر المعلومات الصحيحة غالبًا مايؤدى الي اتخاذ القرارات الاقتصادية السليمة، كما يؤدي الي كفاءة الأسواق والمؤسسات، كما أن جودة المعلومات وصحتها تعتبر أمراً ضرورياً لتخطيط الأعمال ، وفي هذا الاطار علينا أيضاً التأكيد علي أهمية الاهتمام بأساليب المحاسبة والمراجعة والتدقيق للتأكد من سلامة المواقف المالية للبنوك والشركات والمشروعات عند نشرها واعلانها ، ولا تتوقف الشفافية علي توافر المعلومات الصحيحة فقط، بل تتضمن علانية القرار، وهذا يعني أن علي السلطات الحكومية أن تقوم بالاعلان عن خططها وسياساتها وشرحها بطريقة مبسطة ومفهومة للرأي العام وخاصة فيما يتعلق باهتمامات الجماهير، ومن ذلك قضايا الأسعار والدعم وتكلفة الخدمات وعوائد المدخرات والاستثمارات ، كما يتعين أن تلم أجهزة الاعلام بكل أنواعها المقروءة والمسموعة والمرئية بالقرارات التي تتخذها الحكومة ويسمح لها باعلام الجماهير بهذه القرارات وما يمكن أن يترتب عليها .

ثالثاً المجال القانوني ، اذ مع تزايد جهات الاختصاص وكثرة الرسوم والاعلانات والقوانين والقرارات المتعلقة بالأنشطة الاقتصادية والاستثمارات وما يتصل بذلك من التزامات ضريبية وتنظيمية، فلابد أن يكون الوضع القانونى واضحاً ومحدداً وأن يكون النظام القضائي موضوعياً وكفؤاً وسليماً وسريعاً وفعالاً وعادلاً فيما يتصل بالتنازع بين الحكومة والشركات الخاصة والأفراد حتي يتمكن من حماية المستثمرين والمستهلكين فضلاً عن حماية البيئة وصنع الاستغلال والحد من اهدار الموارد ,وذلك عبر تنمية رأس المال الاجتماعي والمجتمع المدني اولاً ، اذ لابد أن يكون الاصلاح الاقتصادي معنياً بالنشاط الاجتماعي لغير أغراض السوق والربح، ومن هنا تأتي أهمية رأس المال الاجتماعي المتواجد في العلاقات بين أفراد المجتمع، ويمكن اعتباره نوع من القوانين التي يسنها أفراد المجتمع بصورة طوعية كما هو حال الجمعيات والمنظمات غير الحكومية. ويتوزع رأس المال الاجتماعي بين جميع أفراد المجتمع، ويفترض فيه أن يفيد الفقراء والضعفاء أكثر مما يفيد الأغنياء وأصحاب الثروة ، ويملك العراقيون رصيداً هاماً وفعالاً من رأس المال الاجتماعي الذي يتبلور في تقاليد التعاون والتكافل والعمل الطوعي .
ورأس المال البشرى يعتبر بدوره أهم المزايا النسبية لمختلف الدول في هذه الألفية الثالثة ، مما يتطلب أعطاؤه أولوية متقدمة في الاصلاح الاقتصادي، ومن هنا تتضح أهمية تنمية رأس المال الاجتماعي من خلال انشاء وتفعيل الجمعيات الطوعية والاعتراف باستغلالها والحرص علي أن تكون العلاقات بين أعضائها والقائمين علي أمرها علاقات أفقية وليست عمودية ، ثانياً تنمية الموارد والقدرات البشرية ، اذ رغم التوسع الأفقي الذي شهدته بلادنا في التعليم، وبخاصة منه التعليم العالي، الا أنه من المعتقد أن هنالك تدهوراً متزايداً في نوعية هذا التعليم بما في ذلك التعليم الأساسي، وذلك بسبب عدم تخصيص الموارد المالية والمادية والبشرية الكافية لتطوير التعليم، وبدون هذا التطوير يصعب انجاز اصلاح اقتصادي فعال وتنمية مستدامة علي المدى البعيد، والواقع أن غالبية الأبحاث الحديثة تؤكد أن العائد من الاستثمار في العنصر البشري (وبخاصة في مجال التعليم والصحة) غالباً مايتفوق علي معدل عائد توظيف رأس المال المادي ، وقد أوضحت قياسات الثروات القومية أن ثلثي تلك الثروات علي مستوى العالم يولدها رأس المال البشري، وعلي ذلك ينبغي الاهتمام بتنمية الموارد البشرية وبناء القدارات حتي تكون لدينا هيئات ومؤسسات عامة تتسم بالكفاءة وسرعة الانجاز عوضاً عن التخبط والأخطاء المتلاحقة في تصميم التداخلات وتنفيذها، رابعاً خلق الظروف الملائمة للمصداقية والثقة ، اذ لايمكننا توسيع الأسواق وتحقيق المستوى المطلوب من الاستثمار والانتاج الا اذا توفرت الثقة الكافية بين أفراد المجتمع

 .
اما عن الاصلاح السياسي ، وأخيراً وليس آخراً، لاتكفي قضايا الشفافية والمساءلة الادارية والادارة القضائية السليمة وتوفير المعلومات وحرية النشر والتعبير اذا لم يكن ذلك مضمناً بوضوح في اطار مؤسسات سياسية ودستورية متفق عليها من قبل الرأى العام، أخذاً في الاعتبار أن الحكومة قد لاتستطيع أن تحقق اصلاحاً اقتصادياً فعالاً اذا لم تتوفر أجهزة قوية ومقتدرة، وتعتبر شرعية ومقبولة أو منتخبة من قبل القاعدة العريضة من الموظفين وخاضعة للمساءلة الادارية والسياسية والقانونية في اطار تعددية مؤسسية تسمح بالمشاركة وتكوين التنظيمات.
اذن من الواضح اذن أن الاصلاح الاقتصادى الذي ننشده ونسعى اليه في عراق اليوم ليس فقط مجرد اجراءات مالية أو نقدية أو اقتصادية، بل أنه يتطلب أيضاً تغييرات مؤسسية هامة كما أوضحنا، وبخاصة اذا أردنا تحقيق نجاح محسوس فيما يتعلق بادارة العرض وخاصة فيما يتعلق بتوفير بيئة مواتية للاستثمار ومحفزة للانتاج، دون أن نترك طاقات انتاجية عاطلة وغير مستقلة في مختلف القطاعات ، ذلك أن النجاح الجزئي الذي تحقق من خلال ادارة الطلب الكلي لايعتبر كافيا،ً وعليه لابد من العمل على الصعد والقطاعات الاقتصادية كافة ، ليتم التحول الي اقتصاد السوق بصورة متدرجة ومتوازنة وفعالة.

 

الموقع باللغة الاكليزية
الصفحة الرئيسية
المؤتمر
المعرض
مقدمة
توليد الاعمال
خلق الوظائف
قائمة بأسماء الشركات المشاركة
التسجيل
الشركات العارضة
الشركات الداعمة
الزوار
وسائل الاعلام
اخبار المعرض
مطبوعات التسويق
الاتصال
معرض الصور
فندق الرشيد
بغداد
منطقة مطار بغداد الدولي
احياء المنطقة
مركز رجال ااعمال في مطار بغداد الدولي
مركز المؤتمرات والمعارض في مطار بغداد
الجناح الاداري
الفندق
غرفة التجارة والصناعة العراقية الامريكية
معرض دي بي اكس كوردستان الدولي
فرق الاعمار الاقليمية